مناقشة رسالة ماجستير فى الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة للباحثة ياسمين محمد خليل

تاريخ الخبر : ٥ مارس، ٢٠١٨ ٩:٤٢ ص       منذ 8 أشهر


حصلت الباحثة ياسمين محمد خليل جمعه على درجة الماجستير فى الدراسات الأفريقية وحملت الرسالة عنوان " الدور الوظيفى للأولياء والأضرحة بالدار البيضاء فى المملكة المغربية دراسة فى الأنثروبولوجيا الإجتماعية"، وذلك من معهد البحوث والدراسات الأفريقية قسم الأنثروبولوجيا بجامعة القاهرة. الرسالة من إشراف الأستاذ الكبير الدكتور عبد العزيز راغب شاهين أستاذ الأنثروبولوجيا بالمعهد ، وقد تناولت الباحثة موضوع إجتماعى ثقافى يمس الناحية الدينية ومدى عمق الظاهرة فى الثقافة الشعبية المغربية . وقد كان " الأولياء والأضرحة " بمدينة الدار البيضاء ، محوراً للدراسة التى شملت 6 فصول تناولت من خلالها الوظائف والمهام التى إتخذتها الذاكرة الشعبية من عادات وموروثات ثقافية أثرت فى العقلية الذهنية لمعظم المغاربة من الإعتقاد فى بركة الأولياء فى الشفاء من الأمراض والعلل العضوية والنفسية وأيضاً أمراض كالصرع والجنون وعلاج المس والجن والأرواح بطرق شعبية ووصفات مخلوطة بين الدينى والشعبى فى إطار مغلف بغلاف المقدس. ودرات الدراسة مستفسرة لا متشككة حول الظاهرة ومدى إحترام وتبجيل الشعب المغربى بالأولياء والأضرحة الذين يقولون عنها " إن المشرق بلد الأنبياء بينما المغرب بلد الأولياء ". وبحثت الدراسة حول الأسباب والدوافع التى تشكلت منها الظاهرة حتى وصولها للعمق الإجتماعى ، والذى كان من اهم تلك العوامل هو العوامل التاريخية التى ارتبطت بالتاريخ المغربى وعن عاداته وتقاليده الموروثة من أسلاف البربر والأمازيغ و حضارات أخرى عاهدتها منها الحضارة الفينيقية والقرطاجين .وكيف بعد أن دخل الإسلام بلاد المغرب الأقصى على يد المرابطين وكيف أن شق عليهم إتباعه فى بادئ الأمر ، كما قال إدموند دوتى فى كتابه "الصلحاء مدونات عن الإسلام المغاربي خلال القرن التاسع عشر" ، إنهم إنشقوا عليه إثنى عشرة مرة وذلك نظراً لتمسكهم وقتها بديانات وعبادات الأسلاف من البربر والأمازيغ ، إلا إنهم بعد ذلك تعاملوا مع الدين الإسلامى الذى كان له الأثر الكبير والدور البارز فى ظهور الحركات المتصوفة فى المغرب والتى بدورها أنشأت " مؤسسة الزوايا " التى قامت بدور كبير فى محاربة الإستعمار الفرنسى والبرتغالى كما قامت بأدوار إجتماعية عديدة صحية فى حالات تفشى الأمراض والأوبئة والكوارث وإجتماعية حيث كانت تلك الزوايا ملاذا لكل من لا ملاذ له من الفقراء والمحتاجين . وهذا ما فسر مدى إرتباط دور الزوايا بالأضرحة فى الوقت الحالى وبالأحداث التى قامت بها والأدوار مما أدى إلى إستمرارها حتى وقتنا هذا فى كونها أماكن تاريخية ولها من الخصوصية . لكن ما أدى إلى إنجراف وإنحراف تلك الفكرة " الزوايا والأضرحة " بالمغرب وأدوارهما الإيجابية ، هو ظهور شكل من أشكال " الصوفية المنحرفة " التى شوهت من صورة ودور تلك الزوايا والأضرحة وإتخذت منها مسلكاً مغايراً للسحر والشعوذة وإستغلال حاجات الناس ومشاكلهم ، فى شكل تقديم الهدايا والنذور لقبور الأولياء لكى ينالوا البركة ، كذلك القيام بأعمال سحرية مناؤءة للدين الإسلامى سواء بداخل تلك الأضرحة أو خارجها ولعل أشهر ضريح بمدينة الدار البيضاء والتى جمعت عنه الباحثة الكثير من المصادر البحثية ما يدور داخل وحول " ضريح سيدى عبد الرحمن مول المجمر " الواقع على شاطئ عين الذياب بالدار البيضاء ، وهو المكان الذى يتخذه السحرة والمشعوذون أوكاراً لممارسة أنشطتهم السحرية المحظورة ، كذلك كشف الدراسة عن " سوق جميعة " أو سوق " العراكات " الواقع بالمدينة وهو سوق مخصوص للسحرة والمشعوذون ، وبه أكثر من 60 كشكاً لبيع السلع المستخدمة فى كافة أنواع السحر على مرأى ومسمع الجميع . وقد دارات وبحثت الدراسة حول المعتقدات المرتبطة بظاهرة زيارات الأولياء والأضرحة فى المغرب بشكل عام ، والتى جاءت حول ثلاث معطيات وهى الإعتقاد فى ( العين – السحر – الجن ) والتى تندرج تحتها جميع المشاكل الإجتماعية والصحية والنفسية التى تصيب الناس ، من تأخر فى الزواج أو الإنجاب كذلك العكس والسحر الذى يفقد الإنسان صحته وماله. وقد تم إختيار مدينة الدار البيضاء بشكل خاص لكى نبحث عن هذه الظاهرة فيها لأنها تعد العاصمة الإقتصادية للمملكة المغربية وبها مظاهر العمران الحديث والصناعة والتجارة فهى تعد بوابة أفريقيا الشمالية وبها أكبر ميناء بحرى فى قارة أفريقيا ويوجد بداخل مدينة البيضاء 30 ضريحاً لأضرحة الأولياء لعل أشهرهم " ضريح سيدى عبد الرحمن مول المجمر و سيدى أبو الليوث البليوطى وسيدى محمد مول الصبيان وسيدى أحمد التاغى ولاله تاجة ، وكل منهم يقوم بدور ووظيفة محددة أو أكثر لموريديه ومحبيه فى إعتقاد بعض من المغاربة حسب الرواية الشعبية حول الكرامات والخوارق الذين اشتهروا بها مجالياً عبر الذاكرة الشعبية المغربية واستمرت بفعل تداولها وتكرارها حتى الان وذلك عن طريق الأهالى أنفسهم أو من خلال مسيرو الأضرحة والعاملين بها للترويج الدائم والمستمر للكرامات من أجل إعادة إنتجاها وتدويرها بشكل مستمر لما تشكله من أهمية إقتصادية كبيرة من أجل الإستفادة بالمردود المالى الكبير العائد من وراء زيارات الأضرحة ، وشراء مستلزماتها من هدايا ونذور وذبائح لتقديمها لقبر الولى ولأسياد الجن . وقد أفرزت الدراسة عددا من النتائج التى توصلت اليها جاء أبرزها فيما يلى : 1 - إن الوظائف الإجتماعية والعلاجية والدينية والسحرية التى تقوم بها أضرحة الأولياء لمُوريدها هى وظائف نفسية أكثر منها مشاكل واقعية، فأسباب إلتجاء الزائرين لهذه الأضرحة تكون بسبب دافع نفسى لفكرة التسليم للمقدس والغيبى بقضاء الحاجات عبر " الأولياء " مع العلم إنها كلها مشاكل حياتية يمكن أن تطرق أبواب أخرى دنيوية. 2- أن هناك إرتباطاً وثيقاً بين ظاهرة تقديس الأولياء والأضرحة فى مجتمع الدراسة وبين مُكون السحر وإستعماله أثناء الزيارة بإعتباره شرطاً من شروط نجاح الزيارة ولتلبية النداء ، وقد ظهر ذلك جلياً فى طريقة إستعمال الطقوس المًصاحبة أثناء زيارات أضرحة الدراسة من طقس الإستحمام بماء البحر والتفوسخ باللدون ونحر الأضاحى للولى ولأسياد الجن. 3 – شكلت الوظيفة الدينية والسحرية للأضرحة أكثر الوظائف شيوعاً لدى زوار أضرحة مجتمع الدراسة ، فهى جاءت مستخلصة ومُدمجمة للوظائف الإجتماعية والعلاجية ، فالجميع يقف عند مبدأ " السحر " و " العكس " و " العين " و " التابعة" سبباً لجميع المشاكل الحياتية ، وأن أضرحة الأولياء يوجد بداخلها الخلاص من هذه المشاكل التى تعكر من صفو حياته و كما عرضناً لذلك. 4- ساهم هذا الإستمرار للأضرحة والمزارات فى إستقطاب رواج إجتماعى مُكثف شمل كافة الشرائح الإجتماعية ، فشملت الرجال والنساء والشيوخ والأطفال بإختلاف المقاصد ، مما جعل من هذه الأضرحة " بنية مُقدسة " غير قابلة على الإندثار ، بل آخذه فى التوسع والإستمرار. 5- إن ظاهرة الأولياء والأضرحة فى الدار البيضاء لها من الجذور التاريخية والثقافية التى لعبت دوراً محورياً فى تاريخ صناعة المغرب، ولم تتأثر هذه الظاهرة بالأحداث وفقاً للمتغيرات المجتمعية والثقافية والسياسية التى شهدها المغرب عبر مراحل تاريخه القديم والمعاصر. 6- وأخيراً ما نود أن نؤكد عليه أنه مع التقدم الحضارى والتمدن الذى تشهده المملكة المغربية من مظاهر التحضر الصناعى والسياحي والثقافى التى تواكبه حالياً ، إلا أنها لم تستطع أن تغير أو تؤثر على طبيعة سير هذه الوظائف التى يقدمها الضريح متمثلاً فى أوليائه ومن مزارات وإحتفالات وطقوس قاصديها ومُريديها فى الحد منها أو منعها ، بل على العكس فهذه الظاهرة تتمدد وتسير فى اتجاهها وبقوة وبرسوخ شعبى رصين .